أمواج الحزن تلف نهر ألون

مصطفى صالح كريم *

حين يحاول المرء الكتابة عن شخص ما يحتار فيما يكتبه، أذا لم يكن يعرف ذلك الإنسان حق المعرفة، أما أذا كانت معرفته به وطيدة ومطلع على جوانب متعددة من حياته، فالكتابة هنا تختلف لأنها تتميز بالصدق والصراحة، لذلك فحين أكتب عن الصديق العزيز أبن" الون" الذي صار فيما بعد، أبن كردستان البار وأعني به البيشمركة الشجاع" جبار فرمان" الذي تعود علاقتي به الى اكثر من عشرين عاماً مضى، تكون مهمتي واضحة، ولكن تبقى الصعوبة في كيفية أختزال كل هذه السنوات الحافلة بالأحداث في حياة" كاكه جبار" في عدد من الصفحات المحدودة تتناسب مع حجم الحيز الذي يمكن أن تستوعبه الصحيفة.

ذات يوم من أيام حزيران عام1984كنت عائداً لتوي من بغداد حين تلقيت مكالمة هاتفية من الصديق العزيز" شيركو بيكه س" الذي أفهمني بأن الأخ جبار فرمان دعانا الى ضيافته في كاني خان غداً وأنه يتوق الى التعرف على بعض أدبائنا وكتابنا الذي عرفهم خلال قراءته لنتاجاتهم دون أن يلتقي بهم شخصياً.
وفي صباح اليوم التالي تحركنا نحو كاني خان وكان الجمع مؤلفاً من" شيركو بيكه س، رؤوف بيكه رد، محمد نورى توفيق، طاهر صالح سعيد، سلام منمي، جمال شاربا زيري، طه توفيق، وكاتب هذه السطور.
كان أكثرنا قد سمع بأسمه وبالتحاقه بالثورة عام 1974 والسنوات التى قضاها في السجن مع رفاقه المناضلين ومن ثم التحاقه مجدداً بصفوف الثورة بعد أطلاق سراحه، كان الرجل قد أشتهر خلال ممارساته العسكرية والتنظيمية كونه أحد الكوادر الأساسية في المنطقة الرابعة للأتحاد الوطني الكردستاني من خلال توليه مسئوليات عديدة ضمن تنظيمات العصبة، ولكننا لم نكن قد التقينا به في السابق، لذلك كان لقاء اليوم رائعاً. كان الأخ جبار فرمان آنذاك شاباً رشيقاً في السابعة والثلاثين من عمره يتدفق حيوية ونشاطاً، وقد أبدى سروره بتعرفه على نخبة من أصحاب القلم حسب تعبيره وتبين انه من عشاق شعر شيركو بيكه س وكان قد تابع نتاجاته وخاصة القصائد التى غناها الشاعر للثورة وللبيشمركة ونشرها بأسم" جوامير".
وسررنا ايضا بلقائنا احد ابناء خانقين المناضلين الذي كان قد حضر لزيارة كاكه جبار وهو كاكه فيض الله (خاله فيضه).
كان هذا بالنسبة لي بداية التعارف الذي تحول الى صداقة مبنية على الود والإحترام المتبادل، أستمرت طوال السنين السابقة، كما استمرت لقاءاتنا حتى أشتداد المرض اللعين عليه والذي أدخله عنوة في غيبوبة ذهنية حرمتنا من اللقاء به والتمتع باحاديثه الشيقة.
لاشك ان رفاق السجن ورفاق الخندق ورفاق التنظيم سيكتبون الكثير عن بطولاته وتضحياته وشجاعته، لذلك فأنا أحاول ان أسلط الضوء على بعض الجوانب الأخرى المضيئة في حياة هذا الرجل الذي أتصف بالعزيمة والأرادة والشجاعة والوفاء.
وعلى ذكر الوفاء، ذات أمسية كنا نتباحث معا حول بعض المسائل العامة وفجأة بادرني بالسوءال عن القيم التى اعتزبها قلت: أنها كثيرة، قال: أولها قلت" الوفاء" وأضفت بأني ذكرت في أحدى مقابلاتي الصحفية: " كم أكره الذين يشطبون كلمة( الوفاء) من قواميس حياتهم، فأعجبته العبارة، وقال: حقاً كما تقول على الانسان ان يحافظ على هذه الصفة القيمة.
بعد الأنتفاضة تولى قيادة الجيش الأول للأتحاد الوطني الكردستاني، وهو الذي قاد الإنتفاضة الثانية التي طهرت ارض كردستان من بقايا سلطة البعث، وأرغم قائد الفيلق على التوقيع على الأتفاقية التى عقدت بعد أندحار قوات النظام امام قوات بشمركة كردستان الى جانب توقيعه كقائد للجيش الأول للأتحاد وتواقيع القادة والمسؤولين الكرد الآخرين.
وكما قال عنه الأخ كوسرت رسول علي نائب رئيس أقليم كردستان في كلمته التى القاها أثناء الوداع الأخير" له الفضل الكبير في إنارة كردستان التى أرادت السلطة البعثية تحويلها الى ظلام دامس من خلال سرقتها لمفاتيح محطة كهرباء دوكان وكانت قوات بشمركة كردستان بقيادة جبار فرمان تصدت لهاو منعت اللصوص من إتمام مهمتهم.
أذكر حادثة تدل على نبله ووفائه لأصدقائه لايمكنني ان أنساها فقد وردت الينا دعوة من موسكو للمشاركة في المهرجان المئوي للصحافة الكردية، كنت انا وزميلي دلشاد عبد الله مرشحين لهذا المهرجان وكنا بانتظار تأشيرة السفر، وذات يوم خابرنا الأخ جبار فرمان بأنه سيسافر غداً الى طهران بانتظار وصول كريماته من الخارج مقترحا ًأن نصحبه في السفر حتى نتابع مسألة الفيزا هناك، وقد لقى الأقتراح قبولاً لدينا وسافرنا معه الى برويز خان- النقطة الحدودية- وعند وصولنا أستقبله المسؤلون بترحاب بالغ وعرضوا عليه مرافقته الى قصر شيرين، فقال لهم لست وحدي فمعي هذان الصديقان، ولكن المسؤولين أعتذروا منه بأدب قائلين: التعليمات تقضي بأستقبالك شخصياً أما الصديقان فلا يمكننا تسهيل العبور لهما، لأن اسميهما غير وارد ورغم رجائهم وألحاحهم أبى الأخ جبار فرمان ان يسافر وحده ، وقد رجوناه كثيراً ان يذهب وحده على ان نعود الى السليمانية ونتدبر أمرنا فيما بعد، ولكنه أصر على موقفه الذي أشرت اليه، دون مبالاة للمسائل البروتوكولية كونه رجلاً ذا مسؤوليات كبيرة وعاد معنا الى السليمانية.
ولم تمض أيام حتى وزاره مسؤولون من ايران معتذرين عما حدث، راجين منه ان يتفضل معهم في اليوم التالي مستصحبا صديقيه، وهكذا سافرنا في 24/10/1998 معا الى طهران وكان سعيدا بهذه النتيجة.. وانا بدوري لا يمكنني ان انسى هذا الموقف النبيل الذي اتخذه لأجلنا، وفي طهران ايضا كان سندا لنا في تعقيب معاملة تأشيرة سفرنا وتسهيل الكثير من الأمور لنا.
كان الرجل محبوبا لدى اصدقائه ولدى كل من تعرف عليه، وعند بلوغه الخمسين أراد بعض اصدقائه المقربين الاحتفال بميلاده الخمسيني وكان ان أقاموا له حفلا متواضعا كان محوره الكلمات والطرائف الأدبية والذكريات، لأ، كاكه جبار كان مولعا بالأدب وكانت له اشعار جميلة ورقيقة نشر بعضها في "كوردستاني نوي" باسم مستعار "ره وه ند" وأذكر أني في ذلك اليوم أي في 28/6/1997 وقبل أن أتأكد من موافقته على المشاركة في عيد ميلاده الخمسيني كتبت في هامش زاويتي الاسبوعية في (الاتحاد) والتي كانت آنذاك بعنوان "سنابل" ما يلي: تحت عنوان "الزائر العزيز الذي لا يحضر في السنة إلا مرة واحدة". قلت في تلك السطور القليلة "اسمحوا لي ان اخرج عن القاعدة التي اتبعتها في كتابة "سنابل" فأضيف هذه الكلمات اليها كفقرة اضافية – لي صديق عزيز تعرفت عليه منذ ثلاثة عشر عاما، يصادف اليوم عيد ميلاده الذي قلما استطاع ان يحتفل به، لأنه قضى اكثر من نصف عمره في الأقبية المظلمة والمواقف والسجون، في الكهوف والمغارات، في الخنادق والمعارك، في الغربة والمنفى، في التنقل هنا وهناك بسبب انخراطه في العمل النضالي منذ ان كان فى يافعا، واليوم لا أدري هل ستسمح له ظروفه بالاحتفال بميلاده ام انه سيلحقه بسابقاته، ولكني أتمنى من كل قلبي ان تسنح له الظروف – اينما كان- بالاحتفال بعيد ميلاده كغيره من عباد الله ويستذكر السنوات النضالية الماضية بأفراحها وأتراحها مع نخبة من اصدقائه الأثيرين، وان يتذكر في غمرة الاحتفال جميع اصدقائه القريبين والبعيدين، الحاضرين والغائبين، بقي ان أقول له "عيد ميلاد سعيد وتمنياتي له بالصحة والسعادة والتوفيق".
وكان أن داعبه صديقه الأثير الأخ عمر سيد علي بقوله: تحتفل او لا تحتفل فهذه الكلمات المكتوبة في الاتحاد والخالية من اي اسم فهي موجهة اليك وتعنيك، اذن كل عام وانت بخير، علما بأني لم اكن قد اخبرت احدا بأن المعني بهذه الكلمات هو كاكه جبار، لكن السيد عمر بحكم صداقته مع كاكه جبار عرف انه هو المقصود.
مضت الأيام وظهرت عليه بوادر المرض، وكان في رحلة علاجية في المانيا، جاءني ذات ضحى صوته حزينا عبر المحمول قلت له: نحن الآن في موكب الوداع حيث نودع جثمان المناضل الحبيب شازاد صائب الى مثواه الأخير، فأجابني وصوته تخنفه العبرات "قلبي ينبض مع كل خطوة تخطونها.. أنا حزين جدا لخسارتنا هذا الرجل النادر، وحزين أكثر لعدم وجودي في السليمانية في هذه اللحظات – وعزائي ان جميع اصدقائي ورفاقي وأحبتي مشاركون في هذا الوداع الحزين" واختتمه بقوله: وا لهفي عليك كاكه شاه!
وطالت الرحلة.. رحلة العلاج، سافر الى الصين، وفي يوم ما اتصلت به هاتفيا للسؤال عن صحته فأجابني برقة ولطف "كم انا سعيد حين سمعت من يهاتفني بالكردية خلال ملايين الناس الذين يتحدثون فيما بينهم ولا أفقه شيئا مما يقولون، فهذا الصوت الكردي من اقاصي الدنيا ينعشني".
وفي كل مرة حينما كان يعود من رحلات العلاج كنا نزوره، ورغم هذا المرض اللعين الذي اصابه الا انه كان ذا معنويات عالية كما عهدناه دائما.. الى ان بدأ الظلام يخيم على صفاء ذهنه، والمرض العضال ينخر في جسمه الرياضي القوي وحرمنا جميعا من لقائه والتحدث معه حتى وافته المنية في التاسع من تموز في المدينة التي أحبها كثيرا وشاركت جماهير السليمانية بأسى بالغ في توديعه ليحل ضيفا على الاستاذ ابراهيم احمد والشهيد شوكت الحاج مشير في مقبرة "سليم بك" ولتبقى ذكراه عطرة ابدا.
اذا فقد توقف قلب جبار فرمان عن الخفقان. هذا القلب الذي كان ينبض بالحب لشعبه ووطنه، هذا القلب الذي نبض طوال حياته بحبه للكرد وكردستان..
هكذا غاب عنا المناضل الكبير جبار فرمان ولكن ذكرياته لن تطوى معه، هذه الذكريات التي اسعدته تارة واشقته تارة أخرى.
أجل لقد غاب عنا الرجل الذي كانت الابتسامة لا تفارق شفتيه حتى في الظروف الحرجة.هذا الرجل الذي وصفه الرئيس مام جلال بالرفيق والصديق الصدوق والبطل الصامد "وقال فخامته عنه بأنه: "كان نموذجا للمناضل المتفاني ورجل المهمات الصعبة في الثورة والحكومة". حقا انه كان رجل المهمات الصعبة!
وهكذا خلت السليمانية من جبار فرمان ولكنها لن تخلو من مآثره وسنظل جميعا نذكره ضمن كوكبة الخالدين، وستظل الجبال والكهوف وزنزانات الأمن العام وابي غريب تذكر ايام وليالي جبار فرمان، هذه الليالي الحالكة التي شارك مع رفاقه في اضاءتها وتحويلها الى نهارات مشرقة.
في احدى المناسبات قال ابن مدينته الأديب عبدالمجيد لطفي انا قطار بلا محطات: استطيع القول: بأن القائد جبار فرمان في حياته كان قطارا بلا محطات، طالب مناضل، معلم مخلص، سجين صامد، بيشمركة باسل، وزير ناجح، قائد سياسي وعسكري وتنظيمي ماهر، محب للكتاب والمطالعة، مولع بالأدب، متابع ممتاز، اذا فقد كان قطارا سريعا بلا توقف وبلا محطات.
لم يوقفه سوى الموت حيث كانت محطته الأخيرة "السليمانية" التي بكت عليه بحزن عميق حتى اختلطت دموع اهلها بدموع "الون" الذي يسير هو الآخر محملا بأمواج الحزن على احد ابنائه الشجعان، ولكن "ألون" لا يبكي وحده على ابنه البار بل تبكيه كردستان بأسرها.
وداعا يا عزيز كردستان.. وداعا ايها القائد والبيشمركة والصديق والحبيب والى جنة الخلد "كاكه جبار".

* نائب نقيب صحفيي كوردستان
ونائب رئيس تحريرجريدة (الاتحاد) بغداد